مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا: تفاؤل حذر وتصعيد ميداني
الجهود الدبلوماسية الأمريكية في صراع أوكرانيا: رؤى متباينة وتحديات الضمانات الأمنية
في خضم تصاعد العمليات العسكرية بين روسيا وأوكرانيا، تتجه الأنظار نحو جهود دبلوماسية مكثفة تقودها واشنطن. تشير تقارير إلى أن الإدارة الأمريكية ترى تقدماً في مفاوضات السلام الرامية لإنهاء الصراع، رغم تباين وجهات النظر بين الأطراف المعنية. هذه المساعي تهدف لتهيئة الأرضية نحو اتفاق مستدام، مع التأكيد على ضرورة التزام موسكو بوقف التصعيد.
وأوضحت الخارجية الأمريكية، عقب محادثات في ميامي، فلوريدا، أن المفاوضين الأمريكيين والأوكرانيين اتفقوا على أن أي تقدم جوهري نحو اتفاق سلام يعتمد بشكل حاسم على إظهار روسيا التزاماً حقيقياً بسلام دائم. هذا الالتزام، وفق البيان، يتطلب خطوات ملموسة لخفض التصعيد العسكري ووقف فوري لإطلاق النار، مما يعكس موقفاً موحداً حول شروط الحل.
تطورات المفاوضات: تفاؤل حذر ومواقف متباينة
من جانبه، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي موافقته على الإطار العام والخطوات التي تم التوصل إليها مع الولايات المتحدة بخصوص مفاوضات السلام. يرتكز هذا الإطار على مبادئ السيادة الأوكرانية والبحث عن حلول دبلوماسية للصراع، ما يعكس التنسيق الوثيق بين كييف وواشنطن في هذا الملف الحساس.
في المقابل، أقر مساعد للرئيس الروسي بوجود تقدم في المفاوضات مع واشنطن لإنهاء الحرب، ولمح إلى إمكانية عقد قمة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب قريباً. هذا التلميح، الذي يشير إلى تركيز محتمل على قضايا اقتصادية وأمنية، قد يعكس رغبة موسكو في استكشاف مسارات دبلوماسية بديلة أو استباقية مع الإدارة الأمريكية المستقبلية.
ويرى المحلل الاستراتيجي الجمهوري، أدولفو فرانكو، أن التفاؤل الأمريكي ينبع من استمرار الحوار البناء بين واشنطن وكل من موسكو وكييف. وأشار إلى أن الخطة الأمريكية بشأن أوكرانيا “ملموسة” وتقدم رؤية واضحة، لكنها تظل مرنة وقابلة للتعديل من قبل الجانب الأوكراني، مما يمنح كييف مساحة للمناورة في مفاوضات السلام.
تباين الرؤى: شروط أوكرانية ومرونة روسية
من جانبها، اعتبرت الباحثة أوليشيا هورياينوفا، من المركز الأوكراني للأمن والتعاون، أن تصريحات الرئيس زيلينسكي الإيجابية حول محادثات ميامي تشير إلى سير الأمور في الاتجاه الصحيح. وأكدت أن أوكرانيا تسعى إلى اتفاق سلام يضمن استقراراً دائماً في المنطقة، ما يعكس أولوية كييف لتحقيق حل شامل ومستدام.
لكن الطرف الروسي يرى المشهد من زاوية مختلفة. يشير المحلل السياسي رولاند بيدزاموف إلى أن الولايات المتحدة ترسل إشارات متضاربة، فهي تسعى لتسوية النزاع وحماية أوكرانيا، وفي الوقت ذاته تحافظ على مستوى من التوتر بين روسيا وأوروبا. هذا التوازن، حسب بيدزاموف، يمنح واشنطن دور المراقب والمسؤول عن الوضع، ما يعكس رؤية روسية لديناميكيات القوة.
ويضيف بيدزاموف أن المفاوضات الأخيرة بين الرئيس بوتين ومبعوثين أمريكيين، كستيفن ويتكوف وجاريد كوشنر، حققت تقدماً ملحوظاً، خصوصاً على الصعيد الاقتصادي. وأكد أن روسيا مستعدة لإظهار مرونة بشأن بعض المطالب الأمريكية ضمن هذا الإطار، مما يشير إلى أن القضايا الاقتصادية قد تكون مفتاحاً لأي اتفاق سلام مستقبلي.
الميدان يشتعل: تحديات أمام طاولة المفاوضات
يأتي الحديث عن التقدم في مفاوضات السلام وسط استمرار التصعيد العسكري من الجانبين. يؤكد بيدزاموف أنه من الصعب جداً التوصل إلى اتفاق سلام بين كييف وموسكو طالما استمرت العمليات القتالية. ويشير إلى تبادل الضربات، مع استهداف أوكرانيا لموانئ وسفن روسية، ما يعكس واقعاً ميدانياً معقداً.
وفي سياق متصل، اتهمت هورياينوفا روسيا باستهداف البنية التحتية المدنية الحيوية، كالسكك الحديدية وشبكات الطاقة، في أوكرانيا. وأكدت أن بلادها تدافع عن نفسها وتسعى لإضعاف القدرات العسكرية الروسية، معتبرة أن الدفاع عن الأراضي وصون سيادة الدولة يمثلان أولوية قصوى لكييف في هذا الصراع.
ويرى فرانكو أن روسيا تشن هجوماً واسع النطاق على أوكرانيا بهدف تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقفها التفاوضي قبيل أي اتفاق سلام. تركز الهجمات الروسية الحالية على غرب أوكرانيا، مستهدفة محطات الكهرباء والطاقة، في محاولة واضحة لإضعاف معنويات الشعب الأوكراني والضغط على حكومته لتقديم تنازلات على طاولة المفاوضات.
وعن الدور الأوروبي، يوضح فرانكو أن الرئيس ترامب يستمع للقادة الأوروبيين، لكنه لا يفضل تدخلهم المباشر في المفاوضات. يطالب القادة الأوروبيون الرئيس زيلينسكي بعدم تقديم تنازلات لموسكو دون ضمانات أمنية واضحة من واشنطن. وقد أشارت وول ستريت جورنال إلى إعداد وزارة الحرب الأمريكية خططاً لتعهدات أمنية محتملة، لكن القرار السياسي النهائي لم يتخذ بعد، مما يترك ملف الضمانات الأمنية معلقاً.
يبقى مستقبل مفاوضات السلام ونتائجها النهائية غير مؤكدة، في ظل تعقيدات المشهد الميداني والدبلوماسي. من المتوقع أن تستمر المشاورات المكثفة بين الأطراف المعنية خلال الأسابيع القادمة، مع تركيز على إيجاد حلول وسط للقضايا العالقة. سيتطلب تقييم فرص التوصل إلى اتفاق سلام دائم في أوكرانيا متابعة دقيقة للتطورات الميدانية، والبيانات الرسمية الصادرة عن واشنطن وموسكو وكييف، فضلاً عن المستجدات المتعلقة بالوضع الاقتصادي والضمانات الأمنية، التي تشكل ركائز أي تسوية مستدامة.




