الرياض وكييف: شراكة اقتصادية تتجاوز الحرب بفرص استثمارية واعدة
بعد توقف 10 سنوات.. السعودية وأوكرانيا تطلقان مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي ترتكز على المعادن الحيوية والأمن الغذائي وإعادة الإعمار
بعد توقف دام عقداً كاملاً، تعود العلاقات الاقتصادية السعودية الأوكرانية إلى الواجهة بزخم كبير، حيث دشنت زيارة وفد اقتصادي أوكراني إلى الرياض الأسبوع الماضي ما وصفه مسؤولون بـ«مرحلة إستراتيجية جديدة». هذه التحركات تأتي كتطبيق مباشر للتوافق الذي تم على أعلى المستويات بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مارس الماضي، لإعادة تفعيل مجلس الأعمال السعودي الأوكراني.
هذا الزخم لا يعكس فقط رغبة في تعويض ما فات، بل يشير إلى تحول في طبيعة العلاقة، حيث تسعى الرياض لتنويع شراكاتها الدولية وتأمين سلاسل إمداد حيوية تتوافق مع طموحات رؤيتها المستقبلية، بينما تبحث كييف عن حلفاء اقتصاديين أقوياء للمساهمة في مرحلة إعادة إعمار أوكرانيا ودعم اقتصادها في ظل الظروف الراهنة.
آليات عمل واضحة لتسريع الاستثمار
أكد يوري ميلنيك، رئيس مجلس الأعمال المشترك، أن الزيارة كانت «بالغة الإنتاجية» ونجحت في «إيقاف فجوة السنوات العشر». وأوضح أن الجانبين اتفقا على خارطة طريق عملية تشمل ثلاث ركائز أساسية، تهدف إلى تحويل النوايا إلى مشروعات ملموسة على الأرض. هذه الركائز هي:
- إنشاء قنوات اتصال دائمة ومباشرة بين المجلس والقطاع الخاص في البلدين لضمان تدفق المعلومات والفرص.
- العمل على إزالة التحديات الإجرائية والبيروقراطية، مثل أنظمة الاعتماد والشهادات والضرائب، لتسريع وتيرة الاستثمارات السعودية في أوكرانيا.
- تبادل محافظ المشروعات الاستثمارية الجاهزة للتنفيذ، وهو ما تم بالفعل خلال اجتماع بوزارة الاستثمار السعودية.
المعادن الحيوية والأمن الدوائي.. رهانات المستقبل
تتصدر المعادن الحيوية قائمة الفرص الاستثمارية المطروحة، حيث تمتلك أوكرانيا احتياطيات ضخمة من الغرافيت والتيتانيوم والليثيوم، وهي مواد أساسية للصناعات التكنولوجية المتقدمة والطاقة النظيفة. وجود شركة متخصصة في هذا المجال ضمن الوفد يؤكد جدية العرض الأوكراني، الذي يمثل «رابطاً إستراتيجياً للمستقبل» يخدم أهداف البلدين.
في قطاع الصناعات الدوائية، عقدت الشركات الأوكرانية اجتماعات مع الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية لبحث المتطلبات التنظيمية. وتتجه المباحثات نحو إنشاء خطوط إنتاج دوائي خفيف داخل المملكة، وهي خطوة تخدم أهداف السعودية في توطين الصناعة وتحقيق الأمن الدوائي، وتوفر في الوقت ذاته سوقاً حيوية للخبرات الأوكرانية.
الأمن الغذائي.. استثمار سعودي في قلب الأزمة
يظل قطاع الزراعة والأمن الغذائي حجر زاوية في هذه الشراكة. أشاد ميلنيك بالاستثمارات السعودية القائمة، ممثلة في شركة «سالك» التي تعد من كبار المستثمرين في أوكرانيا عبر امتلاكها «كونتيننتال فارمرز غروب» وحصتها في شركة الدواجن العملاقة MHP. هذه الاستثمارات تؤكد ثقة الرياض في قدرة أوكرانيا على الاستمرار كمورد عالمي للغذاء رغم الحرب.
وتعمل شركة MHP حالياً على مسارين متوازيين: الأول هو إقامة شراكات لإنتاج الدواجن محلياً في السعودية، والثاني هو استئناف صادراتها المباشرة إلى المملكة. هذا التوجه المزدوج يعكس مرونة إستراتيجية تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي السعودي من خلال الإنتاج المحلي والاستيراد الموثوق.
آفاق اقتصادية بمليارات الدولارات
رغم أن حجم التبادل التجاري الحالي يبلغ 680 مليون دولار، يرى ميلنيك أنه «أقل بكثير من الإمكانات الحقيقية». وكشف أن قيمة المشروعات التي عرضها الوفد الأوكراني في الرياض وحدها تتجاوز مليار دولار، متوقعاً أن يقفز حجم التبادل إلى مليارين أو ثلاثة مليارات دولار في الفترة المقبلة.
وشدد على أن أوكرانيا «مفتوحة للاستثمار الآن»، مؤكداً وجود اتفاقيات لحماية الاستثمار توفر ضمانات قانونية للمستثمرين السعوديين. ومع وجود مشروعات جاهزة، مثل عنقود صناعي بقيمة 500 مليون دولار، وتقديرات دولية تشير إلى حاجة أوكرانيا لأكثر من 500 مليار دولار لإعادة الإعمار، تبدو الفرصة سانحة أمام القطاع الخاص السعودي ليكون لاعباً رئيسياً في مستقبل الاقتصاد الأوكراني.




