Blog

نجوم الفن السعودي: أغاني حاضرة وأصوات غائبة عن المشهد

أغاني الرواد تملأ الأجواء وأصواتهم غائبة.. أسرار اختفاء نجوم الفن السعودي عن الساحة

في خضم الاحتفالات بتأهل المنتخب الوطني لكأس العالم، تعود الذاكرة الجمعية بشكل عفوي لاستدعاء الأغاني الوطنية التي شكلت وجدان أجيال، وعلى رأسها «الله الله يا منتخبنا» للفنان طلال سلامة. لكن هذا الحنين يفتح الباب أمام تساؤل أعمق يتردد في الأوساط الثقافية: أين الأصوات التي صنعت هذه الذاكرة من المشهد الفني اليوم؟

أصوات صنعت الوجدان.. أين هي الآن؟

يطفو على السطح غياب أسماء كبيرة عن الساحة الفنية، فنانون كانت أصواتهم جزءاً من كل بيت سعودي. نتحدث عن قامات مثل علي عبدالكريم، صاحب الصوت الدافئ في «يا راوية»، ورفيق الطرب عبدالله رشاد الذي أعاد للدانات الحجازية بريقها، ومحمد عمر الذي ارتبط صوته بالحنين في «يا سارية خبريني». هذه الأغاني خالدة ولا تزال تُبث وتُطلب، لكن أصحابها غائبون تماماً عن حفلات اليوم ومهرجانات الوطن الكبرى.

القائمة تطول لتشمل أسماءً تركت بصمة واضحة مثل يحيى لبان، صالح خيري، عباس إبراهيم، سعد جمعة، وغيرهم الكثير. المفارقة تكمن في أن الجمهور لم ينسَ أعمالهم التي تتفوق في انتشارها أحياناً على أغانٍ حديثة، لكنهم اختفوا من المنصات الرسمية والاحتفالات الوطنية، وكأنهم أصبحوا مجرد ذكرى صوتية، وهو ما يطرح أسئلة حول آليات إدارة المشهد الفني المحلي.

تغييب أم تغير في قواعد السوق؟

لا يمكن تجاهل أن معايير الصناعة الفنية قد تغيرت، حيث أصبحت الفعاليات والمهرجانات تدار بمنطق يميل إلى لغة الأرقام والتفاعل على منصات التواصل الاجتماعي أكثر من القيمة الفنية التاريخية. التركيز ينصب على الأسماء الرائجة التي تحقق «ترند»، وهو ما يضع جيل الرواد، الذي بنى جمهوره على أساس الطرب الأصيل والجودة الفنية، في موقف صعب خارج حسابات السوق الحالية.

هذا التحول لا يقلل من أهمية المواهب الجديدة، ولكنه يسلط الضوء على اختلال قد يؤدي إلى تهميش تاريخ فني بأكمله. فجيل علي عبدالكريم وعبدالله رشاد لم يكن يملك متابعين بالملايين على إنستغرام، بل كان يمتلك أغنية حقيقية قادرة على العيش لعقود، وهو ما يفتقده الكثير من إنتاج اليوم الذي يستهلك بسرعة ويُنسى بنفس السرعة.

الفن ذاكرة وطنية لا تقبل التهميش

الفن ليس مجرد ترفيه، بل هو سجل حي لذاكرة الأمة. وعندما تغيب هذه الأصوات عن منصات الاحتفال، فإننا لا نخسر مجرد مطربين، بل نفقد جزءاً من الذاكرة الوطنية الحية التي وثقت مراحل اجتماعية وفنية مهمة. العديد من الدول تحرص على تكريم رموزها بإعادتهم للمسارح في المناسبات الكبرى، كجزء من إثراء الهوية الفنية الوطنية والحفاظ عليها.

تحول المشهد.. دور جديد يعيد الاعتبار للرواد

في سياق هذا الجدل، يبرز الدور الذي يلعبه المستشار تركي آل الشيخ كرئيس لهيئة الترفيه، والذي بدا وكأنه استجابة مباشرة لهذه المخاوف. فقد شهدت الساحة الفنية السعودية مؤخراً نقلة نوعية تهدف إلى تحقيق التوازن، من خلال فتح الأبواب أمام كل الأجيال، وإعادة الأصوات القديمة إلى الأضواء، وتكريم الرموز، ومنحهم المساحة التي تليق بتاريخهم الفني.

هذه الجهود لم تقتصر على دعم جيل معين، بل عملت على خلق مشهد فني مزدهر يحتضن الجميع، ويعيد الاعتبار لمن ساهموا في بناء الهوية الغنائية السعودية. إنها رؤية تعي أن قوة الفن تكمن في تكامل أجياله، وأن تكريم الرواد ليس مجرد وفاء، بل هو استثمار في الذاكرة الجماعية وصناعة الفرح الوطني، وهو ما أعاد للأغنية السعودية مكانتها الرائدة بكل فخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى