ثقافة و فن

متعب بن دخنة في حوار خاص: رحلة الإنشاد بين الأصالة وتحديات السوشيال ميديا.. رؤى صريحة من نجم سعودي

في زمن تتسارع فيه وتيرة التكنولوجيا وتتغير معه ملامح الفنون، يبرز اسم المنشد السعودي متعب بن دخنة كصوت أصيل يلامس القلوب ويحقق نجاحات باهرة. بأدائه المتقن واختياراته الشعرية الرفيعة، استطاع ابن دخنة أن يحجز لنفسه مكانة مرموقة في عالم الإنشاد، مسجلًا أرقامًا قياسية في نسب المشاهدة عبر منصات السوشيال ميديا.

وبينما يواصل مسيرته الفنية المتفردة، التقت به “عكاظ” في حوار كاشف، ليشاركنا تجربته الثرية ورؤيته الثاقبة حول واقع ومستقبل هذا الفن العريق.

مسيرة سنوات الشباب وأفق التجربة:

عن سنوات عمره التي وهبها للإنشاد، يوضح متعب بن دخنة أن رحلته بدأت منذ بواكير شبابه، حيث كانت كل مرحلة وكل عام يمثل له مدرسة حقيقية. هذه المسيرة الطويلة لم تكن مجرد سنوات تمر، بل كانت محطات غنية بالتعلم والتجارب الجديدة التي صقلت موهبته وشكلت فنه.

لم يأتِ هذا النجاح من فراغ، بل هو نتاج جهد متواصل وإيمان عميق برسالة الفن الهادف. فمنذ اللحظات الأولى التي صدح فيها صوته، كان الهدف واضحًا: تقديم محتوى يلامس الروح ويحمل قيمة، بعيدًا عن مجرد الاستهلاك السريع.

تحديات الإثبات والهوية في بحر الأصوات:

وفي معرض حديثه عن أصعب التحديات التي واجهته، يشير المنشد السعودي إلى تحديين جوهريين: أولهما كان إثبات الذات في خضم زحام الأصوات الإنشادية الكثيرة. هذا المجال، كما يصفه، يعج بالمنشدين الطامحين، وكل منهم يسعى لأن يصل صوته للجمهور، مما يجعل المنافسة شرسة وتتطلب جهدًا مضاعفًا للتميز.

أما التحدي الثاني، فهو الحفاظ على الهوية الفنية والرسالة الأصيلة وسط ضغوط السوق ومطالب الجماهير المتغيرة. ففي عالم يتسم بالسرعة والبحث عن الجديد، يرى ابن دخنة أن التمسك بالقيم والمبادئ الفنية هو مفتاح الاستمرارية والأصالة، وهو ما سعى إليه دائمًا في جميع أعماله.

الإنشاد رسالة لا مجرد شهرة:

وعن تقييمه لأداء غالبية المنشدين، يرى متعب بن دخنة أن الساحة تضم بالفعل مبدعين وصادقين في أدائهم، لكنه لا يخفي أسفه من أن هدف الكثيرين قد تحول نحو الشهرة والانتشار، متجاهلين في ذلك أهمية جودة الكلمة واللحن. يؤكد ابن دخنة على أن فن الإنشاد في جوهره هو رسالة عميقة قبل أن يكون مجرد وسيلة للظهور.

هذا التحول، في نظره، قد يؤثر سلبًا على مكانة الفن الإنشادي ويفرغه من مضمونه الروحي والثقافي. فالمسؤولية تقع على عاتق المنشد في اختيار الكلمات التي تعبر عن قيم نبيلة والألحان التي تلامس الوجدان، ليبقى الإنشاد فنًا ذا قيمة حقيقية.

تكامل الشاعر والمنشد: شراكة إبداعية:

وعند سؤاله عن مدى قرب المنشد من الشاعر حاليًا، يؤكد ابن دخنة على العلاقة التكافلية بينهما، فكلاهما يكمل الآخر في سبيل إنجاح أي عمل فني. الشاعر يسعى لانتشار قصيدته ووصولها لأكبر شريحة، بينما يأتي دور المنشد ليمنحها الروح باللحن المناسب والصوت الشجي.

هذه الشراكة الإبداعية هي أساس النجاح المشترك، حيث لا يمكن لأحدهما أن يحقق التأثير المرجو دون الآخر. فالكلمة تحتاج إلى صوت يصدح بها، والصوت يبحث عن كلمة قوية ليحملها، ليشكلا معًا لوحة فنية متكاملة تخلد في الأذهان.

أصوات أضاعت بوصلة الإنشاد:

بصراحة متناهية، يقر متعب بن دخنة بوجود منشدين أساؤوا لمجال فن الإنشاد، وذلك من خلال التركيز على التقليد الأعمى دون بصمة شخصية، أو باستخدام كلمات هابطة لا ترقى لمستوى هذا الفن الرفيع. هذا السلوك، في رأيه، يفقده هيبته ومكانته الأصيلة التي اكتسبها عبر التاريخ.

إن الإنشاد، كفن يحمل رسالة، يجب أن يكون محصنًا ضد الابتذال والتسطيح. فالمسؤولية الأخلاقية تفرض على المنشد أن يكون حارسًا أمينًا على جودة المحتوى وأصالته، لا أن ينجرف وراء موجات الشهرة الزائفة التي لا تترك أثرًا طيبًا.

من هو المنشد الحقيقي؟ صوت ورسالة وأثر:

ويقدم متعب بن دخنة تعريفًا جامعًا للمنشد الحقيقي، فهو ليس مجرد صاحب صوت جميل، بل هو من يجمع بين هذا الصوت الأخاذ والكلمة الهادفة والرسالة الصادقة. الأهم من ذلك، أن يترك المنشد أثرًا إيجابيًا في نفس المستمع، أثرًا يتجاوز مجرد صدى صوت يختفي بمجرد انتهاء العمل.

هذه الرؤية تؤكد على العمق الفلسفي للإنشاد، فهو ليس ترفيهًا عابرًا، بل هو تجربة روحية وفكرية تهدف إلى الارتقاء بالذوق العام وتغذية الوجدان. المنشد الحقيقي هو من يبقى صوته ورسالته محفورين في الذاكرة، ملهمًا للأجيال.

المناكفات في الإنشاد: مرآة للمنافسة غير النزيهة:

وعن ظاهرة المناكفات والخلافات في مجال الإنشاد، يرجع ابن دخنة أسبابها إلى المنافسة غير النزيهة أو الرغبة المبالغ فيها في حب الظهور، وأحيانًا تكون نتيجة لقلة الوعي لدى بعض المنشدين. يؤكد أن الهدف الحقيقي لو كان خدمة الفن والرسالة، لتحولت هذه المناكفات إلى تعاون مثمر.

إن البيئة الفنية الصحية تتطلب روحًا من التعاون والاحترام المتبادل، بدلاً من التنافس الهدّام. فكل منشد يمتلك بصمته، والساحة تتسع للجميع إذا ما كان الهدف الأسمى هو الارتقاء بهذا الفن وتقديمه في أبهى صوره، بعيدًا عن الصراعات الشخصية.

غياب الألبومات: عصر السوشيال ميديا والانتشار الرقمي:

يتطرق متعب بن دخنة إلى اختفاء الألبومات الإنشادية، مشيرًا إلى أنها أصبحت “موضة قديمة” وغير مجدية في ظل التطور التكنولوجي الراهن. فقد حلت مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية محل الألبومات التقليدية، وأصبحت الوسيلة الأسرع والأكثر فاعلية لنشر الأعمال.

هذا التحول الرقمي أتاح للمنشدين فرصة الوصول إلى جماهير أوسع بكثير، وبطرق أكثر مرونة وتكلفة أقل. فبدلاً من إنتاج ألبوم كامل قد لا يحقق المبيعات المرجوة، أصبح المنشدون يركزون على إصدار الأعمال المنفردة وتوزيعها عبر الإنترنت، مما يضمن انتشارًا أسرع وتفاعلًا مباشرًا مع الجمهور.

لقد أثرت السوشيال ميديا بشكل جذري على صناعة الموسيقى والإنشاد، حيث أصبح الفنان قادرًا على الترويج لأعماله بنفسه والتفاعل مع معجبيه مباشرة، مما خلق ديناميكية جديدة في العلاقة بين الفنان وجمهوره. هذا الجانب يعكس بوضوح كيف أن التكنولوجيا باتت جزءاً لا يتجزأ من مسيرة أي فنان يسعى للوصول والانتشار.

إبداع الإنشاد: الجنوب والحجاز في المقدمة:

وعن المناطق الأكثر إبداعًا في فن الإنشاد، يرى ابن دخنة أن هذا الفن منتشر في جميع أنحاء المملكة، لكنه يخص بالذكر منطقتي الجنوب والحجاز كونهما تتميزان بوجود منشدين أكثر إبداعًا وتنوعًا. ويعزو ذلك إلى التنوع الكبير في الألحان والأصوات التي تزخر بها هاتان المنطقتان.

ويشير بشكل خاص إلى منطقة الجنوب، حيث يتميز فن الإنشاد بطابع خاص يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـالزوامل والشيلات (تعرف على الشيلات)، مما يضفي عليها عمقًا تراثيًا وفنيًا فريدًا. هذا التنوع الإقليمي يثري الساحة الإنشادية السعودية ويجعلها مصدرًا لا ينضب للمواهب والأصوات الأصيلة.

هذه الخصوصية الثقافية لكل منطقة تساهم في تشكيل هوية الإنشاد بها، فالجنوب بزواملها التي تحكي قصص البطولات والشجاعة، والحجاز بألحانها التي تتسم بالروحانية والجمال، كلها روافد تغذي هذا الفن وتمنحه أبعادًا متعددة تجذب الجمهور من مختلف الأذواق.

مستقبل الإنشاد في ظل التغيرات:

إن ما يطرحه متعب بن دخنة من رؤى حول فن الإنشاد لا يقتصر على الماضي والحاضر، بل يمتد ليلامس مستقبل هذا الفن العريق. ففي ظل التغيرات المتسارعة، يظل التمسك بالأصالة والجودة هو المفتاح للحفاظ على مكانة الإنشاد كفن يحمل قيمة ثقافية وروحية عميقة.

يتطلب المستقبل من المنشدين أن يكونوا أكثر وعيًا بالمتغيرات، وأن يجمعوا بين الإبداع والاحترافية، مع الحفاظ على رسالة الإنشاد الهادفة. فالتحدي الأكبر يكمن في كيفية مواكبة العصر دون التخلي عن الجذور، ليظل الإنشاد فنًا متجددًا ومتأصلًا في قلوب الجماهير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى