في تحول تاريخي يغير ملامح البورصة السعودية، تمكن المستثمرون الأجانب من إزاحة نظرائهم المحليين عن عرش التداولات لأول مرة على الإطلاق. هذا الحدث الاستثنائي، الذي شهدته السوق في الأسبوع المنتهي بتاريخ 25 سبتمبر، يمهد الطريق لقرارات مرتقبة قد تعيد رسم خريطة الاستثمار في أكبر اقتصاد عربي.
الأجانب يتربعون على عرش “تداول”
كشفت بيانات “تداول السعودية” الرسمية عن مشهد غير مسبوق، حيث استحوذ المستثمرون الأجانب (من خارج دول مجلس التعاون الخليجي) على ما يقرب من 48.98% من إجمالي عمليات الشراء في السوق الرئيسية. هذه النسبة لم تكن مجرد رقم قياسي، بل كانت كافية لتجاوز حصة المستثمرين السعوديين التي تراجعت بشكل طفيف لتستقر عند 48.6%، في سابقة هي الأولى من نوعها.
هذا الإقبال الكثيف من رؤوس الأموال الأجنبية جاء مدفوعًا بتسريبات وأنباء قوية حول توجه الجهات التنظيمية في المملكة نحو تحرير قواعد الملكية الأجنبية. هذه الخطوة، إن تمت، ستفتح الباب على مصراعيه أمام تدفقات استثمارية ضخمة، وتعزز من مكانة السوق السعودية على الخريطة المالية العالمية.
شهية مفتوحة للاستثمار في المملكة
بلغة الأرقام، ضخ الأجانب سيولة هائلة بلغت قيمتها حوالي 19.275 مليار ريال في أسبوع واحد فقط، متفوقين على مشتريات السعوديين التي سجلت 19.127 مليار ريال. الأهم من ذلك هو صافي التدفقات، حيث سجل المستثمرون الأجانب صافي شراء قياسي بلغ 5.829 مليار ريال، بينما شهدت محافظ المستثمرين السعوديين صافي بيع بنحو 6.05 مليار ريال، مما يعكس ثقة عالمية متزايدة في مستقبل أسهم سعودية واعدة.
هذه الأرقام لا تعبر فقط عن حركة تداول عادية، بل تشير إلى تحول استراتيجي في نظرة مديري الصناديق العالمية تجاه السوق السعودية. فالمملكة لم تعد مجرد سوق ناشئة، بل أصبحت وجهة رئيسية للاستثمار المباشر وغير المباشر، مدعومة بإصلاحات اقتصادية عميقة ضمن إطار رؤية 2030.
قرارات تاريخية تلوح في الأفق
جاء التأكيد الرسمي على لسان السيد عبد العزيز بن حسن، عضو مجلس هيئة السوق المالية، الذي أشار في مقابلة مع وكالة “بلومبيرغ” إلى أن الهيئة اقتربت بشدة من تخفيف القيود الحالية. القواعد الحالية تضع سقفًا لملكية الأجانب في الشركات المدرجة عند 49%، وهو ما قد يتغير قريبًا للسماح لهم بتملك حصص أغلبية.
ورغم أن بن حسن لم يحدد السقف الجديد للملكية، إلا أنه ألمح إلى أن القرار المصيري قد يرى النور قبل نهاية العام الجاري. هذا الإعلان كان بمثابة الضوء الأخضر الذي حفز المستثمرين الأجانب على زيادة مراكزهم الشرائية بشكل استباقي، تحسبًا للفرص الكبيرة القادمة.
ماذا يعني هذا لسوق الأسهم السعودية؟
إن السماح للأجانب بتملك حصص أغلبية سيكون له تأثير مباشر وفوري على وزن السوق السعودية ضمن مؤشر MSCI للأسواق الناشئة. فالمؤشر العالمي عادة ما يقلص وزن الشركات التي تفرض قيودًا على الملكية، وإزالة هذا القيد ستؤدي إلى زيادة وزن السوق، مما يجبر الصناديق العالمية التي تتبع المؤشر على ضخ مليارات الدولارات الإضافية في الأسهم السعودية.
هذا التطور لا يقتصر على زيادة السيولة فحسب، بل يمتد ليشمل فوائد أخرى هامة، منها:
- تعزيز الشفافية وممارسات حوكمة الشركات لتتماشى مع المعايير الدولية.
- جذب خبرات إدارية وتقنية جديدة من خلال المستثمرين الاستراتيجيين الأجانب.
- زيادة عمق السوق وتنوع قاعدة المستثمرين، مما يقلل من التقلبات الحادة.
- دعم خطط الخصخصة وطروحات الشركات الحكومية العملاقة في المستقبل.
