في خطوة تعكس حجم التحول الاقتصادي، حققت المملكة العربية السعودية قفزة نوعية في قطاع الخدمات اللوجستية، متقدمة 18 مركزاً دفعة واحدة في مؤشر الأداء اللوجستي العالمي. هذا التطور اللافت، الذي وصفه الخبير نشمي الحربي بأنه لم يسبق له مثيل عالمياً، ينقل المملكة من المركز 55 إلى 37، ويضعها على خريطة المراكز اللوجستية المؤثرة دولياً.
يأتي هذا التقدم كترجمة عملية لاستراتيجية وطنية طموحة تهدف إلى فك الارتباط الاقتصادي بالنفط، حيث يمثل قطاع اللوجستيات وسلاسل الإمداد عصب التنويع الاقتصادي المنشود. وتستهدف رؤية 2030 تحويل المملكة إلى منصة لوجستية محورية تربط ثلاث قارات، مستفيدة من موقعها الجغرافي الفريد.
خلفيات التقدم السريع
أوضح الخبير نشمي الحربي، في تصريحات تليفزيونية، أن المبادرة الوطنية لسلاسل الإمداد لعبت دوراً محورياً في تعزيز هذه المنظومة على كافة المستويات. التحرك من المركز 55 خلال أربع سنوات فقط ليس مجرد رقم، بل هو مؤشر على إعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية والتشريعية، استهدفت رفع الكفاءة التشغيلية وخلق بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية في قطاع الخدمات اللوجستية في السعودية.
هذا التحول لم يكن ليتحقق لولا ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية، وتطوير شامل للموانئ والمطارات، بالإضافة إلى تبني التقنيات الرقمية الحديثة. تعمل الحكومة على أتمتة الإجراءات وتبسيطها عبر منصات متطورة مثل “فسح”، مما يقلل من زمن وتكلفة التخليص الجمركي ويعزز من شفافية حركة البضائع.
مشاريع عملاقة تدعم التحول
أشار الحربي إلى أن مشروع الجسر البري السعودي الذي يربط البحر الأحمر بالخليج العربي يعد أحد الأعمدة الرئيسية في هذه الاستراتيجية. هذا المشروع لا يقتصر دوره على تسهيل النقل المحلي، بل يهدف إلى تقديم بديل أسرع وأكثر كفاءة لطرق التجارة التقليدية، مما يعزز القدرة التنافسية للمملكة كمركز لوجستي عالمي قادر على خدمة حركة التجارة بين الشرق والغرب.
إلى جانب ذلك، شهدت الموانئ والمطارات السعودية توسعات ضخمة لزيادة قدراتها الاستيعابية، مع زيادة عدد الخطوط الملاحية والجوية. هذه الجهود المتكاملة تهدف إلى تحسين كل حلقة في سلاسل الإمداد، بدءاً من وصول الشحنات وحتى تسليمها للمستهلك النهائي، مما يرفع من كفاءة المنظومة بأكملها.
تحديات على طريق القمة
رغم الإنجازات المحققة، لا يزال الطريق نحو تحقيق هدف الوصول إلى المراكز العشرة الأولى عالمياً بحلول 2030 محفوفاً بالتحديات. تشمل هذه التحديات ضرورة مواصلة تطوير الكفاءات البشرية المتخصصة، ومعالجة تعقيدات الإجراءات في بعض الأحيان، والعمل على خفض تكاليف النقل والتأمين لجعل السوق أكثر تنافسية.
وتشير التوقعات المستقبلية إلى أن التركيز سيتجه بشكل أكبر نحو الاستدامة في قطاع الخدمات اللوجستية، عبر تقليل الانبعاثات الكربونية، والاستثمار في التقنيات الناشئة كالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. إن استمرارية الاستثمار في البنية التحتية والكوادر البشرية، مع مرونة تشريعية، ستكون هي الضمانة لتحقيق أهداف التحول الاقتصادي السعودي الطموحة.
