سيد محمود: رحلة الصحفي الشاعر من حلوان إلى قلب المشهد الثقافي

يظل اسم الشاعر والصحفي سيد محمود علامةً فارقة في المشهد الثقافي المصري، فهو الصحفي الذي لم يخذل قلمه يومًا، والشاعر الذي آثر أن يحتفظ بقصائده لنفسه بعيدًا عن أضواء النشر. في حوار خاص، يفتح قلبه ليتحدث عن رحلة طويلة بدأت من ضواحي القاهرة، مرورًا بكواليس “صاحبة الجلالة”، وصولًا إلى رؤيته لمستقبل الأدب والثقافة.

نشأة على أطراف القاهرة

يروي سيد محمود أن طفولته كانت بسيطة وعادية، تليق بأسرة من الطبقة الوسطى كافحت لتجد مكانها. نزح والده من الصعيد في ستينيات القرن الماضي واستقر في حلوان، تلك الضاحية التي كانت تبدو في عيون طفل بعيدة كل البعد عن صخب العاصمة، حيث كانت أسرته واحدة من الملايين التي استفادت من مكتسبات الحقبة الناصرية التي وفرت السكن في مساكن العمال والتعليم المجاني.

بدأت علاقته الحقيقية بالقراءة في المرحلة الإعدادية، مع اكتشافه عالم المكتبة المدرسية وسحر كتابات أنيس منصور ومصطفى محمود. ولا ينسى أبدًا أول جائزة نالها بسبب شغفه بالقراءة، وهي “مقلمة صاج” وشهادة استثمار بعشرة جنيهات، كانت تمثل ثروة صغيرة آنذاك، لتكون الشرارة التي أشعلت رحلته مع الكلمة.

الصدفة تقود إلى “صاحبة الجلالة”

يصف محمود دخوله عالم الصحافة بأنه جاء وليد الصدفة، فلم يكن مخططًا له. فبعد دراسته للتاريخ وانغماسه في كتابة الشعر للمسرح الجامعي، قاده مقال عابر كتبه لصحيفة “الحياة” إلى لقاء غير مساره مع الروائي الكبير إبراهيم أصلان، الذي فتح له الباب للكتابة المنتظمة. ومن هناك، تنقل بين منابر صحفية مهمة مثل مجلة “الوسط”، وصحيفة “الدستور” في إصدارها الأول مع إبراهيم عيسى، وصولًا إلى مؤسسة “الأهرام” التي شكلت نقلة نوعية في مسيرته المهنية داخل مصر.

يؤكد أن مسيرته تشكلت على يد أسماء لامعة تركت بصمتها على توجهاته، من بينهم كامل زهيري، وأحمد بهاء الدين، وصلاح عيسى، والصحفي الكبير محمود عوض، الذين تعلم منهم الكثير في فنون الكتابة الصحفية.

تحديات الصحافة الثقافية

لم تكن الطريق مفروشة بالورود، فالتحدي الأبرز في الصحافة الثقافية كان دائمًا في تهميشها أمام سطوة الإعلانات التي تمثل شريان الحياة المادي للصحف. ويشير إلى أن صفحات الثقافة كانت أول ما يتم التضحية به، لكنه يذكر بالفضل أساتذة مثل إبراهيم عيسى الذين كانوا داعمين حقيقيين لهذا اللون من الصحافة، وتعلم منهم أهمية العنوان الجذاب والأسلوب الرشيق للوصول إلى القارئ.

الثقافة المصرية والمشهد العربي المتغير

على الرغم من كل التحديات، يرى سيد محمود أن الثقافة المصرية لا تزال بخير، مستشهدًا بحضور المبدعين المصريين القوي في الجوائز الأدبية العربية وتوسع قاعدة القراء الشباب. ويعترف بأن المشهد الثقافي العربي لم يعد مركزيًا كما كان، حيث صعدت مراكز ثقافية جديدة في الخليج والمغرب العربي، مما أثرى الساحة وأفاد الحركة الثقافية بشكل عام.

فلم تعد القاهرة وبيروت وبغداد هي العواصم الوحيدة المؤثرة، بل أصبح هناك تعدد أدى إلى اتساع المساحة الثقافية، وساهمت الجوائز الأدبية ومنصات التواصل الاجتماعي في خلق حالة من النقاش الدائم حول الإنتاج الإبداعي، وهو أمر صحي في رأيه.

لماذا اختفى الشاعر؟

عند سؤاله عن سبب تواريه كشاعر وحضور الصحفي بقوة، يجيب بأن اختفاءه مرتبط باختفاء الشعر نفسه من الحياة الأدبية بشكل عام. يوضح أنه منذ امتهن الصحافة، قرر أن يفصل بين دوره كـ”حكم” يتابع ويحلل، ودوره كـ”لاعب” يكتب الشعر، فهو يكتب لكنه لا ينشر، مؤمنًا بأن الشعر ليس مهنة، بل حالة إنسانية لا يجب أن تتحول إلى حرفة.

ذكريات لا تُمحى وقصة “المتن المجهول”

من بين مئات الحوارات التي أجراها، يظل حواره مع الكاتبة الفلسطينية سوزان أبو الهوى هو الأصعب والأكثر ألمًا، حيث لم يتمالك نفسه من البكاء تأثرًا بحديثها عن غزة. وفي المقابل، يحتفظ بذكرى دافئة لحواره مع الأديب الطيب صالح الذي كشف له عن بساطته الآسرة ومعدنه الأصيل.

أما عن كتابه “المتن المجهول”، فيكشف أنه جاء كمحاولة لتوثيق فترة مهمة وغير معروفة من حياة الشاعر الفلسطيني محمود درويش في مصر. لقد عمل بروح المؤرخ لجمع ما نشره درويش في صحيفة “الأهرام” وربطه بالسياق التاريخي والسياسي لتجربته الثرية التي شكلت جزءًا من وعيه.

وفي ختام حديثه، يبدي سيد محمود قلقه من حالة “السيولة” التي يعيشها العالم، وافتقاده للعقل الرشيد. حلمه الأكبر اليوم هو أن تتوقف كل أشكال الانتهاك الإنساني، معترفًا بخوفه من نشرات الأخبار التي لم يعد يطيق مشاهدتها، في مفارقة لرجل قضى حياته في قلب “صاحبة الجلالة”.

Exit mobile version