اقتصاد

خطة الصين للمعادن تهز الأسواق.. بكين ترسم مستقبل الصناعة العالمية بإستراتيجية مزدوجة

في خطوة استراتيجية تهدف إلى إحكام قبضتها على شرايين الاقتصاد العالمي، كشفت بكين الستار عن خطة عملاقة لتطوير صناعة المعادن غير الحديدية. هذه الخطة لا تقتصر على مجرد زيادة الإنتاج، بل ترسم ملامح مستقبل جديد للصناعات المتقدمة عالميًا، وتؤكد طموح التنين الصيني في قيادة هذا القطاع الحيوي.

طموحات بكين بالأرقام.. خطة متكاملة للنمو والاستدامة

أعلنت وزارة الصناعة الصينية وتكنولوجيا المعلومات، بالتعاون مع تسع جهات حكومية أخرى، عن خارطة طريق واضحة المعالم. تستهدف الخطة تحقيق نمو في القيمة المضافة للقطاع بنسبة تقارب 5% خلال العام الجاري، مع الحفاظ على معدل نمو مستقر للإنتاج عند 1.5% خلال عامي 2025 و2026، مما يضمن تدفقًا ثابتًا وموثوقًا لهذه الموارد الحيوية.

وتأتي هذه الأهداف في سياق سياسة صينية طويلة الأمد لتعزيز الاكتفاء الذاتي والاعتماد على الموارد المحلية من المعادن الإستراتيجية. نتحدث هنا عن معادن مثل النحاس، الألومنيوم، و”الذهب الأبيض” الليثيوم، والتي تعد بمثابة حجر الزاوية في صناعات المستقبل، بدءًا من السيارات الكهربائية ووصولًا إلى مشروعات الطاقة المتجددة.

اقتصاد دائري بسواعد صينية

أحد أبرز ملامح خطة الصين للمعادن هو التركيز غير المسبوق على إعادة تدوير المعادن. حيث تطمح بكين إلى أن تتجاوز كميات المعادن التي يعاد تدويرها حاجز الـ 20 مليون طن سنويًا. هذا التوجه لا يعكس فقط التزامًا بالاستدامة البيئية، بل هو قرار استراتيجي ذكي لتقليل الاعتماد على الواردات وتقوية سلاسل الإمداد العالمية في مواجهة التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

من خلال تبني نموذج الاقتصاد الدائري، تضرب الصين عصفورين بحجر واحد. فهي تؤمّن مصادر إضافية للمواد الخام الحيوية من داخل حدودها، وفي الوقت نفسه، تعزز صورتها كقوة صناعية مسؤولة بيئيًا، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية إضافية في الأسواق العالمية التي تضع معايير بيئية صارمة بشكل متزايد.

معادلة مزدوجة لترسيخ الهيمنة

ليست هذه المبادرة الأولى من نوعها، فقد سبق لبكين إطلاق خطط لدعم الصناعات الثقيلة وتوسيع إنتاج المواد الخام محليًا. لكن الجديد هذه المرة هو الدمج المحكم بين مسارين: تعزيز الإنتاج التقليدي من المناجم، وفي المقابل، ضخ استثمارات ضخمة لرفع كفاءة عمليات إعادة التدوير، وهو ما يمنح الصين موقعًا صلبًا يصعب منافسته في سوق المعادن العالمي.

في الوقت الذي تحاول فيه القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وأوروبا، فك ارتباطها بالصين في قطاعات حيوية مثل المعادن النادرة والبطاريات، ترد بكين بتطبيق معادلة مزدوجة. تسعى من خلالها إلى ترسيخ حضورها عبر زيادة الإنتاج المحلي من جهة، ورفع كفاءة تدوير المخلفات الصناعية من جهة أخرى، لتضمن بذلك سيطرة شبه كاملة على العرض والطلب.

تأثيرات عالمية.. من يربح ومن يخسر؟

النتائج المتوقعة لهذه الخطة تتجاوز حدود الصين، فهي بلا شك ستؤدي إلى تضييق الخناق على المنافسين الدوليين. كما ستعزز قدرة الصناعات الصينية العملاقة على تلبية الطلب الداخلي المتنامي والطلب الخارجي المتزايد دون التعرض لأي انقطاعات أو اهتزازات في الإمداد، مما يجعلها المورد الأكثر موثوقية في العالم.

هذه الاستراتيجية قد تضع ضغوطًا على الدول المصدرة للمواد الخام، حيث ستنخفض حاجة الصين للاستيراد تدريجيًا بفضل التدوير. وفي المقابل، ستستفيد الشركات العالمية التي تعتمد على المكونات الصينية من استقرار الأسعار وتوافر الإمدادات، لكنها ستجد نفسها في الوقت ذاته أكثر اعتمادًا على بكين، وهو ما يثير قلق الحكومات الغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى