برعاية ولي العهد.. مؤتمر الاستثمار الثقافي يرسم مستقبل الإبداع السعودي بجامعة للفنون وصندوق بـ150 مليون ريال

في خطوة تعكس الطموح السعودي الكبير لتحويل الثقافة إلى محرك اقتصادي جبار، انطلقت في قلب العاصمة الرياض فعاليات مؤتمر الاستثمار الثقافي. هذا الحدث الضخم، الذي يُعقد تحت رعاية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يكن مجرد ملتقى للنقاش، بل منصة لإطلاق مشاريع تاريخية ترسم ملامح مستقبل الإبداع في المملكة.
وسط حضور لافت لنخبة من كبار المستثمرين العالميين، وصناع القرار، وقادة الفكر والثقافة، افتتح وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان المؤتمر، مؤكداً أن المشهد الثقافي في المملكة يعيش ازدهاراً غير مسبوق. ويأتي هذا التجمع الهام في وقت يشهد فيه القطاع الثقافي السعودي نمواً متسارعاً، تجسّد في إصدار أكثر من 9 آلاف ترخيص ثقافي للممارسين والمؤسسات، وهو رقم يعكس حيوية الساحة الإبداعية المحلية.
جامعة الرياض للفنون.. حلم المبدعين يتحقق
كان الإعلان الأبرز الذي شهده اليوم الأول للمؤتمر هو كشف وزير الثقافة عن قرب إطلاق «جامعة الرياض للفنون»، وهو مشروع طال انتظاره ليصبح منارة للمعرفة والتميز في تعليم الفنون والثقافة بالمنطقة. وأوضح الأمير بدر أن الجامعة ستسعى للريادة العالمية في التعليم الإبداعي من خلال شراكات استراتيجية مع أعرق المؤسسات الأكاديمية الدولية، لتقديم برامج تعليمية تدمج ببراعة بين المناهج النظرية والتطبيقات العملية.
وأضاف الوزير أن الجامعة الجديدة لن تكتفي بتقديم تعليم أكاديمي رفيع المستوى، بل ستكون حاضنة للمواهب الواعدة عبر تقديم منح دراسية سخية للطلاب المتميزين. وأشار إلى أن كافة التفاصيل المتعلقة بالجامعة وبرامجها الدراسية وشروط القبول سيتم الإعلان عنها بشكل كامل خلال الربع الأول من عام 2026، لتفتح أبوابها أمام جيل جديد من المبدعين السعوديين.
أرقام تاريخية.. الثقافة محركاً للاقتصاد
لم تكن الإعلانات مجرد وعود، بل كانت مدعومة بلغة الأرقام التي تؤكد أن الاستثمار في الثقافة أصبح ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. وكشف وزير الثقافة أن مساهمة القطاع الثقافي في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة وصلت إلى 1.6%، وهو رقم مرشح للزيادة، بينما يوفر القطاع حالياً أكثر من 234 ألف فرصة عمل. كما أشار إلى أن حجم الدعم المالي المتدفق للقطاع بلغ نحو ملياري دولار في عام 2024 وحده.
هذه الأرقام تعكس التحول الجذري الذي يشهده القطاع، والذي بات جزءاً لا يتجزأ من مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد مزدهر ومستدام. وأكد الأمير بدر أن حجم الاستثمارات في البنية التحتية الثقافية، من متاحف ومسارح ومراكز فنية، وصل إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، حيث تجاوز 81 مليار ريال، مما يهيئ بيئة مثالية لنمو الصناعات الإبداعية.
صندوق جديد بـ 150 مليون ريال لدعم المواهب
من جانبه، ألقى وزير الاستثمار، المهندس خالد الفالح، الضوء على جاذبية القطاع للمستثمرين الأجانب، مشيراً إلى أن حجم الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاعات الثقافية تجاوز 500 مليون دولار العام الماضي. وكشف أن هناك نحو 1700 مستثمر يعملون حالياً في مجالات الثقافة والفنون المتنوعة داخل المملكة، مما يؤكد الثقة العالمية في مستقبل هذا القطاع الواعد.
وفي إعلان أثار حماس الحضور، كشف الفالح عن قرب إطلاق صندوق استثماري جديد بحجم 150 مليون ريال، سيتم تخصيصه للاستثمار في فئات إبداعية وثقافية محددة، بهدف دعم الشركات الناشئة والمشاريع المبتكرة. وأكد أن هذا الصندوق يأتي ضمن حزم تحفيزية أوسع، مثل برنامج «إجنايت»، مع وعود بحزم أخرى ستشمل قطاعات حيوية مثل فنون الطهي والموسيقى والفنون البصرية.
رؤية شاملة لمستقبل الصناعات الإبداعية
لم يقتصر مؤتمر الاستثمار الثقافي على الإعلانات الكبرى، بل كان منصة فكرية ثرية جمعت الخبراء لمناقشة مستقبل القطاع عبر أكثر من 38 جلسة حوارية وورشة عمل. وتركزت النقاشات حول ثلاثة محاور رئيسية هي:
- ثراء الثقافة: تسليط الضوء على الفرص الاستثمارية الجاذبة في القطاع الثقافي ودوره كمحرك للسياحة والتنمية.
- تعزيز رأس المال الثقافي: استكشاف آليات تمويل مبتكرة لدعم المشاريع الإبداعية، خاصة في الأسواق الناشئة.
- دور الثقافة في التماسك المجتمعي: تأكيد أهمية الثقافة كقوة ناعمة تعزز التبادل الحضاري وتقوي العلاقات الدولية.
وأكد وزير الاقتصاد والتخطيط، فيصل الإبراهيم، على الأثر الاقتصادي المضاعف للإنفاق على الثقافة، قائلاً: «كل دولار ينفق في القطاعات الإبداعية يحقق 2.5 دولار في القطاعات الاقتصادية الأخرى». وشدد على أن المملكة لم تعد تكتفي باستهلاك الثقافة، بل أصبحت اليوم في موقع يؤهلها لتصدير إبداعها إلى العالم، مع مستهدف لمضاعفة حجم القطاع ثلاث مرات بحلول عام 2030.




