في خطوة استراتيجية مدروسة نحو الشرق، تواصل المملكة العربية السعودية نسج شبكة من التحالفات الاقتصادية القوية، مستهدفةً عمالقة آسيا، اليابان والصين. هذه التحركات لا تقتصر على تعزيز التبادل التجاري، بل ترسم ملامح جديدة لخريطة الاستثمار في السعودية بما يخدم أهدافها الطموحة.
أوساكا.. نافذة جديدة للشراكة السعودية اليابانية
على الأراضي اليابانية، وتحديدًا في مدينة أوساكا، انطلقت شرارة جديدة في مسار التعاون الاقتصادي العريق بين الرياض وطوكيو. فخلال افتتاح منتدى الاستثمار السعودي الياباني، الذي وُصف بأنه الأضخم من نوعه في المدينة بحضور تجاوز 1500 مشارك، أعلن وزير الاستثمار السعودي، المهندس خالد الفالح، عن دراسة المملكة لدمج الشركات اليابانية ضمن مناطقها الاقتصادية الخاصة.
وتُعد هذه المناطق بمثابة منصات استثمارية متكاملة تقدم حوافز غير مسبوقة للشركات العالمية، تشمل إعفاءات ضريبية، وتسهيلات جمركية، وبنية تحتية متطورة، مما يجعلها بيئة مثالية للابتكار والنمو. هذه الخطوة تعكس بوضوح مدى الانفتاح السعودي على الشركاء الدوليين ورغبتها الجادة في توفير مناخ أعمال محفز وجاذب للمستثمرين.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كشف الفالح عن رغبة قوية من البنوك اليابانية في تمويل الشركات السعودية عبر تقديم قروض وتطوير منتجات مالية مبتكرة تتناغم مع طموحات أسواق المال في المملكة. ويأتي هذا في ظل علاقات تجارية راسخة، حيث تُعد اليابان ثالث أكبر شريك تجاري للسعودية، التي بدورها تُلبي نحو 40% من احتياجات اليابان النفطية.
يُذكر أن هذا المنتدى يأتي استكمالًا لمسيرة نجاح بدأت مع الاجتماع الوزاري السابع للرؤية السعودية اليابانية 2030، والذي أسفر عن توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات حيوية تشمل:
- المياه والطاقة النظيفة
- الرعاية الصحية المتقدمة
- الاتصالات وتقنية المعلومات
- الخدمات المالية والمصرفية
بكين.. كنوز التعدين السعودي تجذب عيون التنين الصيني
وبالتوازي مع التحركات في اليابان، كانت العاصمة الصينية بكين على موعد مع وفد سعودي رفيع المستوى بقيادة وزير الصناعة والثروة المعدنية، بندر الخريف. في لقاء استراتيجي مع أكثر من 20 شركة تعدين صينية عملاقة، تم استعراض الفرص الاستثمارية الهائلة التي يزخر بها قطاع التعدين السعودي الواعد.
وأكد الخريف أن الشراكات الاقتصادية السعودية مع الصين تمثل حجر زاوية في تطوير قطاع التعدين، مستعرضًا كيف تهدف رؤية المملكة 2030 إلى تحويل هذا القطاع إلى الركيزة الثالثة للصناعة الوطنية. وكشف الوزير عن قفزة هائلة في تقديرات الثروات المعدنية للمملكة، حيث ارتفعت من 1.3 تريليون دولار إلى 2.5 تريليون دولار، بفضل برامج الاستكشاف والمسح الجيولوجي المتقدمة التي تشارك فيها شركات صينية بالفعل.
هذا الارتفاع الهائل لا يعكس فقط وجود كميات ضخمة من المعادن التقليدية، بل يشير أيضاً إلى مخزونات واعدة من المعادن النادرة التي تدخل في صناعات المستقبل، مثل بطاريات السيارات الكهربائية والإلكترونيات المتقدمة، وهو ما يفسر الاهتمام الصيني الكبير. وقدّم الخريف للشركات الصينية حزمة من المزايا التنافسية التي تتمتع بها المملكة، من موقعها الجغرافي الذي يربط القارات، إلى أسعار الطاقة المناسبة، والبنية التحتية الحديثة، وسهولة الإجراءات الحكومية.
وفي ختام اللقاء، وجه وزير الصناعة دعوة مفتوحة للشركات الصينية للمشاركة في النسخة الخامسة من مؤتمر التعدين الدولي، المقرر عقده في الرياض في يناير 2026، لمواصلة استكشاف آفاق التعاون الواسعة.
نظرة إلى المستقبل: تنويع اقتصادي وتوازن استراتيجي
تُجسد هذه التحركات المتزامنة في اليابان والصين إصرارًا سعوديًا على تنويع شراكاتها الدولية وتعميق علاقاتها مع القوى الكبرى في الشرق. إنها استراتيجية لا تهدف فقط إلى جذب استثمارات نوعية، بل تسعى لبناء اقتصاد مرن ومستدام، وبيئة استثمارية تنافسية وآمنة، تدعم جودة الحياة وتحقق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة.
