السعودية تقود تحركًا دوليًا حاسمًا في الأمم المتحدة: التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين يطالب بفعل لا بيانات

في قلب الحراك الدبلوماسي العالمي، وعلى هامش الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، شهدت أروقة المنظمة الدولية تحركًا سعوديًا أوروبيًا نرويجيًا رفيع المستوى يرمي إلى دفع عجلة السلام في الشرق الأوسط. ترأس الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله، وزير الخارجية السعودي، مساء الأربعاء، اجتماعًا وزاريًا حاسمًا للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومملكة النرويج، في خطوة تؤكد التزام المملكة الراسخ بالقضية الفلسطينية.

هذا الاجتماع، الذي يأتي بعد عام كامل على إطلاق هذه المبادرة المشتركة، يحمل في طياته دلالات عميقة ورسائل واضحة للعالم أجمع بضرورة الانتقال من مرحلة التوافق النظري إلى الفعل العملي. افتتح سمو الأمير فعاليات الاجتماع بكلمات مؤثرة، مؤكدًا أن اللحظة الراهنة تتطلب أكثر من مجرد إعلانات وبيانات، بل تتطلب آليات تنفيذية ومتابعة حقيقية على الأرض لإنهاء معاناة شعب طال انتظاره للحرية.

دعوة صريحة للتحرك: من التوافق إلى الالتزام

لم يكتفِ سمو وزير الخارجية بالتأكيد على أهمية الاجتماع، بل ربط بينه وبين “إعلان نيويورك” الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرًا، واصفًا إياه بأنه “إجماع دولي تاريخي” لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة. وأشار سموه إلى أن هذا الإعلان ليس مجرد وثيقة، بل هو بمثابة “تكليف واضح للجميع” لتحويل هذا التوافق الدولي العريض إلى التزامات زمنية محددة وآليات متابعة صارمة، تضمن حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وبلهجة حازمة تعكس حجم التحديات، شدد الأمير فيصل بن فرحان على أن “لا يكفي إصدار البيانات ما لم تتحول إلى عمل حقيقي يغير واقع الاحتلال وعدوانه”. هذه الكلمات ليست مجرد تصريحات دبلوماسية، بل هي دعوة صريحة للمجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني الذي يعاني ويلات احتلال طال أمده، ويواجه تحديات وجودية يومًا بعد يوم.

قمة السلام واعترافات دولية متزايدة

ولم يغفل سموه الإشارة إلى الإنجازات الدبلوماسية السابقة التي مهدت لهذا الاجتماع، مستذكرًا “قمة السلام” التي ترأستها المملكة العربية السعودية بالتعاون مع فرنسا. هذه القمة أثمرت عن اعترافات دولية واسعة بـ الدولة الفلسطينية، مما يعزز بلا شك الإرادة الدولية لترسيخ حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على أرضه، وفقًا للقرارات الدولية.

غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها، لا تخفي مرارة الواقع الميداني الذي وصفه سموه بكلمات قاسية. فالاحتلال ما زال يتمادى في “الإبادة والمجاعة والانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية”، بل وتجاوز ذلك إلى “اعتداءات على سيادة دول عربية، كان آخرها استهداف دولة قطر”. هذه التصرفات تستدعي وقفة جادة وحاسمة من المجتمع الدولي لوقف هذا التمادي الذي يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين والدوليين.

آليات التنفيذ والمساءلة: طريق المستقبل

الهدف من هذا الاجتماع الوزاري ليس مجرد تكرار للمواقف، بل هو تنسيق للجهود ووضع “آليات تنفيذية ومؤشرات تقدم ومساءلة واضحة”. هذا التوجه العملي يؤكد أن التحالف يسعى إلى نتائج ملموسة على الأرض، بعيدًا عن الوعود والتصريحات التي لا تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي. العمل المشترك في العواصم الإقليمية والدولية سيظل مستمرًا لضمان تحقيق هذه الأهداف الطموحة.

وأكد الأمير فيصل بن فرحان على ما جاء في “إعلان نيويورك” بأن “غزة والضفة بما فيها القدس الشرقية أرض فلسطينية واحدة غير قابلة للتجزئة”. هذا التأكيد يمثل رفضًا قاطعًا لأي محاولات ضم أو توسيع استيطان أو تهجير قسري، ويشدد على ضرورة تمكين السلطة الفلسطينية ودعم الخطة العربية الإسلامية للتعافي والإعمار، ووضع آلية دولية للمساءلة ضمن جداول زمنية واضحة تضمن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.

السعودية: قيادة دبلوماسية وإنسانية لا تتوقف

تواصل المملكة العربية السعودية قيادة جهودها الدبلوماسية والإنسانية بلا كلل، سعيًا لتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية. هذا المسعى ليس مجرد موقف سياسي، بل هو التزام أخلاقي وتاريخي يهدف إلى فتح الطريق أمام سلام عادل ودائم وأمن مشترك وازدهار لشعوب المنطقة كافة، بعيدًا عن الصراعات التي طال أمدها وأرهقت المنطقة.

الوفد السعودي رفيع المستوى الذي حضر الاجتماع ضم الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان بن عبدالعزيز، سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة الأمريكية، والدكتور عبدالرحمن بن إبراهيم الرسي، وكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة والمشرف العام على وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة. كما حضر السفير الدكتور عبدالعزيز بن محمد الواصل، مندوب المملكة الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، والوزير مفوض بوزارة الخارجية الدكتورة منال رضوان، مما يعكس الأهمية القصوى التي توليها المملكة لهذا الملف الحيوي وضرورة التنسيق الدولي الفعال.

حل الدولتين: رؤية تاريخية لمستقبل السلام

إن مفهوم حل الدولتين ليس وليد اللحظة، بل هو خلاصة جهود دبلوماسية مكثفة امتدت لعقود طويلة، ويُعتبر الحل الأمثل الذي يحظى بتوافق دولي واسع لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. يرتكز هذا الحل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل في سلام وأمن، استنادًا إلى حدود عام 1967 وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وهو ما يضمن كرامة الشعبين وحقوقهما.

لقد دعت العديد من المبادرات الدولية والإقليمية، مثل مبادرة السلام العربية عام 2002، إلى هذا الحل كطريق وحيد لتحقيق الاستقرار المستدام في المنطقة. ورغم التحديات الجمة التي تواجه تنفيذه، من عقبات سياسية إلى واقع ميداني معقد، إلا أن المجتمع الدولي، بقيادة دول مثل السعودية والاتحاد الأوروبي والنرويج، ما زال يؤمن بأن هذا هو المسار الوحيد لضمان حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته وعاصمتها القدس الشرقية، ووضع حد للاحتلال.

تحديات التنفيذ ورسالة الأمل

تأتي أهمية هذا التحالف العالمي في ظل استمرار التحديات التي تعيق تطبيق حل الدولتين على أرض الواقع، من توسع المستوطنات غير الشرعية إلى الانتهاكات المستمرة للقانون الدولي وحقوق الإنسان. ومع ذلك، فإن رسالة الأمير فيصل بن فرحان الواضحة بأن “البيانات لا تكفي” تعكس إدراكًا عميقًا لضرورة تجاوز الخطاب الدبلوماسي إلى خطوات عملية ملموسة تحدث فرقًا حقيقيًا في حياة الفلسطينيين اليومية، وتساهم في بناء مستقبل أفضل.

هذا التحرك الدبلوماسي السعودي يمثل بصيص أمل جديد في أفق القضية الفلسطينية، مؤكدًا أن المملكة لا تكتفي بالدعم اللفظي، بل تسعى جاهدة لتعبئة الإرادة الدولية وتحويلها إلى قوة دافعة لتحقيق السلام العادل والشامل، بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ويضع المنطقة على طريق الاستقرار والازدهار المنشود.

Exit mobile version