الأخبار

السعودية تطلق المنظمة العالمية للمياه.. تحالف دولي جديد لمواجهة تحديات عطش الكوكب

في خطوة دبلوماسية وبيئية فارقة، أعلنت المملكة العربية السعودية من قلب العاصمة الإيطالية روما عن إطلاق المنظمة العالمية للمياه. هذه المبادرة الطموحة لا تهدف فقط إلى تسليط الضوء على أزمة المياه العالمية، بل إلى بناء تحالف دولي فاعل لتوحيد الجهود وإيجاد حلول مبتكرة ومستدامة لمواجهة تحديات المياه التي تهدد مستقبل الكوكب.

من المحلية إلى العالمية.. قصة نجاح تُلهم العالم

جاء الإعلان على لسان وزير البيئة والمياه والزراعة، المهندس عبد الرحمن الفضلي، خلال مشاركته في “حوار روما حول المياه”، الذي أقيم على هامش المنتدى العالمي للأغذية. هذا المنتدى، الذي تنظمه منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، شكّل المنصة المثالية لعرض رؤية المملكة الطموحة، والتي تستند إلى قصة نجاح وطنية فريدة في إدارة أحد أكثر الموارد ندرة في بيئتها الطبيعية.

وأوضح الفضلي أن المنظمة الجديدة ستعمل كمنصة لتبادل الخبرات وتنسيق السياسات، والأهم من ذلك، إيجاد حلول تمويلية مبتكرة لمشاريع المياه حول العالم. كما ستركز على تفعيل الروابط الحيوية بين قطاعات المياه والبيئة والزراعة والطاقة، مع التأكيد على الدور المحوري الذي يجب أن يلعبه القطاع الخاص في هذه المعادلة لتحقيق إدارة فاعلة ومستدامة للمياه.

أرقام تتحدث.. ريادة في تحلية المياه

لم تأتِ هذه المبادرة من فراغ، فالمملكة تقدم نفسها للعالم وهي تحمل سجلاً حافلاً بالإنجازات. فهي اليوم أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، بطاقة إنتاجية مذهلة تتجاوز 16 مليون متر مكعب يوميًا. ومن خلال الاستثمار المكثف في البحث والابتكار، نجحت في تحقيق قفزات نوعية، حيث تم خفض استهلاك الطاقة في عمليات تحلية المياه بنحو 50%، وتخفيض التكلفة إلى أدنى مستوى عالمي، مما يجعل هذه التجربة نموذجًا يمكن تطبيقه في العديد من الدول التي تعاني من الإجهاد المائي.

وإلى جانب الإنتاج، بنت المملكة بنية تحتية عملاقة لنقل المياه تمتد لأكثر من 19 ألف كيلومتر، متغلبة على تضاريس جغرافية صعبة تصل ارتفاعاتها إلى 3 آلاف متر. وبفضل هذه الشبكات، تصل المياه اليوم إلى أكثر من 82% من المناطق السكانية، مما يعكس حجم الجهد المبذول لضمان الأمن المائي لمواطنيها.

رؤية السعودية 2030.. ثورة في إدارة الموارد المائية

شكلت رؤية السعودية 2030 نقطة تحول تاريخية في قطاع المياه. فقد تم إقرار “الاستراتيجية الوطنية للمياه” التي أعادت هيكلة القطاع بالكامل، ووضعت إطارًا للإدارة المتكاملة للموارد المائية. هذه الاستراتيجية لم تكن مجرد حبر على ورق، بل انعكست نتائجها بشكل مباشر على مؤشرات الأداء الدولية، حيث قفز مؤشر الإدارة المتكاملة للموارد المائية للمملكة من 57% إلى 83%، وهو ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أحد أسرع معدلات التقدم في العالم، واختارت المملكة كنموذج عالمي في تحقيق الهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة.

ومن أبرز ثمار هذه الاستراتيجية، خفض استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة في الزراعة بمقدار 8 مليارات متر مكعب سنويًا، وفي المقابل، زاد الاعتماد على المياه المتجددة بأكثر من مليار متر مكعب سنويًا عبر مبادرات مبتكرة لحصاد مياه الأمطار وإنشاء السدود. هذا التحول الاستراتيجي دعم نمو الناتج المحلي الزراعي من 85.1 مليار ريال في 2020 إلى نحو 117.9 مليار ريال في 2024، محققًا توازنًا دقيقًا بين الأمن الغذائي واستدامة المياه.

ابتكارات جريئة وشراكات استراتيجية

لم تكتفِ المملكة بالحلول التقليدية، بل تبنت مبادرات جريئة مثل برنامج “استمطار السحب”، الذي نفذ 711 طلعة جوية باستخدام طائرات متخصصة وكوادر وطنية، وأسفر عن زيادة تقديرية في هطول الأمطار بلغت 6.4 مليارات متر مكعب. وعلى الصعيد الاقتصادي، تم فتح الباب واسعًا أمام القطاع الخاص، حيث تم إبرام 25 عقدًا لمشاريع مياه بقيمة استثمارات تتجاوز 104 مليارات ريال، لتصبح المملكة بيئة حاضنة للابتكار والاستثمار في هذا القطاع الحيوي.

وتستمر المملكة في تعزيز دورها العالمي، حيث ستستضيف الرياض النسخة الحادية عشرة للمنتدى العالمي للمياه عام 2027، بعد أن أطلقت حوار المياه في مجموعة العشرين عام 2020، وقدمت دعمًا لمشاريع مياه دولية بقيمة 6 مليارات دولار. كل هذه الجهود تضع حجر الأساس للمنظمة العالمية للمياه، لتكون تتويجًا لمسيرة طويلة من العمل الدؤوب ورؤية واضحة لمستقبل أكثر استدامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى