يدق العراق ناقوس الخطر، فبين جفاف يضرب أنهاره التاريخية وتغير مناخي يلتهم أراضيه الخصبة، يواجه بلد الرافدين تحديًا وجوديًا يهدد أمنه الغذائي. وفي قلب هذه المعركة، تبرز خطط حكومية طموحة للتحول نحو الزراعة الذكية كطوق نجاة أخير في مواجهة واقع مرير.
صرخة من بغداد.. 50% من الأراضي الزراعية في خطر
في تصريح صادم يكشف حجم الكارثة، أكد وزير الزراعة العراقي، السيد عباس جبر المالكي، أن البلاد تفقد ما يقرب من 50% من أراضيها الزراعية الخصبة سنويًا. وأرجع الوزير هذه الخسارة الفادحة مباشرة إلى الآثار المدمرة لظاهرة التغير المناخي، التي تضرب العراق بقسوة متزايدة، محولة مساحات شاسعة كانت يومًا خضراء إلى أراضٍ قاحلة.
هذا التدهور لا يمثل مجرد أرقام في تقارير رسمية، بل يترجم إلى واقع صعب يعيشه آلاف المزارعين الذين هجروا أراضيهم، ويهدد استقرار سلاسل الإمداد الغذائي في البلاد. فالعراق، الذي كان يُعرف تاريخيًا بأرض السواد لكثافة نخيله وزروعه، يجد نفسه اليوم في مواجهة مباشرة مع شبح التصحر الذي يزحف بلا هوادة.
الزراعة الذكية.. طوق النجاة في مواجهة الجفاف
أمام هذا الواقع، لم تعد الحلول التقليدية كافية. وكشف الوزير المالكي عن توجه حكومي جاد لتبني مفهوم الزراعة الذكية كاستراتيجية أساسية للمستقبل. هذه الاستراتيجية لا تهدف فقط إلى الصمود، بل إلى التكيف مع الظروف الجديدة عبر استخدام التكنولوجيا لتحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة، وعلى رأسها المياه.
وأوضح أن دائرة البحوث في الوزارة تعمل بكل طاقتها على استنباط وتطوير سلالات جديدة من البذور تتمتع بقدرة عالية على تحمل الإجهاد البيئي، مثل درجات الحرارة المرتفعة والملوحة المتزايدة في التربة وشح المياه. الهدف هو زراعة محاصيل قادرة على النمو والإنتاج في ظل أقسى الظروف، وهو ما يمثل حجر الزاوية في تحقيق الأمن الغذائي المستدام.
كما أكد المالكي أن الوزارة تعمل على توسيع قاعدة استخدام تقنيات الري الحديثة، التي تعتبر ثورة في عالم الزراعة الصحراوية، وتشمل:
- الري المحوري
- الري الثابت
- الري بالتنقيط
هذه التقنيات تساهم في تقليل هدر المياه بنسب هائلة مقارنة بالري بالغمر التقليدي، وتضمن وصول كل قطرة ماء إلى جذور النبات مباشرة، مما يعزز من كفاءة الإنتاج ويحافظ على الموارد المائية الشحيحة.
أزمة المياه تصل ذروتها.. جفاف غير مسبوق يهدد الرافدين
على جبهة موازية لا تقل خطورة، دقت وزارة الموارد المائية ناقوس الخطر، معلنةً عن عقد اجتماع وزاري عاجل لمناقشة تداعيات أزمة المياه التي وصلت إلى مستويات حرجة. ووصفت الوزارة في بيانها السنة المائية الحالية بأنها “الأشد جفافًا بشكل غير مسبوق” و”من أسوأ السنوات المائية منذ أكثر من 90 عامًا”.
هذا الإعلان يأتي ليرسم صورة قاتمة لمستقبل نهري دجلة والفرات، الشريانان اللذان قامت على ضفافهما أقدم الحضارات الإنسانية. فالانخفاض الحاد في مناسيب المياه لم يؤثر فقط على الزراعة، بل امتد تأثيره ليشمل مياه الشرب، وتوليد الكهرباء، والتوازن البيئي الدقيق للأهوار العراقية المدرجة على لائحة التراث العالمي.
من المسؤول؟.. تغير المناخ وسياسات دول الجوار
وأرجعت وزارة الموارد المائية أسباب هذه الأزمة الحادة إلى عاملين رئيسيين. الأول هو التغير المناخي العالمي وآثاره المتمثلة في انخفاض معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، مما يزيد من معدلات التبخر. أما العامل الثاني، والذي لا يقل تأثيرًا، فهو استمرار دول المنبع، وتحديدًا تركيا، في بناء السدود والمشاريع الإروائية الضخمة على منابع الأنهار دون تنسيق كافٍ مع العراق.
هذه المشاريع أدت إلى انخفاض كبير في الواردات المائية القادمة إلى العراق عبر نهري دجلة والفرات، مما يضع البلاد أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة الطبيعة الغاضبة، والتعامل مع سياسات مائية إقليمية تزيد من تفاقم الأزمة. وأكدت الوزارة أنها عرضت توصيات عاجلة على مجلس الوزراء لاتخاذ ما يلزم من إجراءات على المستويين الداخلي والدبلوماسي لحماية حقوق العراق المائية.
