صدرت أخيرًا الأعمال الكاملة للكاتب الروسي الكبير أنطوان تشيخوف في طبعة عربية ضخمة، شاملة عشرة مجلدات، لتُقدم للقارئ العربي نتاج هذا العملاق الأدبي كاملاً، من قصص قصيرة إلى روايات طويلة.
الحياة في أبسط صورها وأعمق معانيها
عبّر الدكتور ثائر زين، أحد المشاركين في هذا المشروع الضخم الصادر عن دار الرافدين، عن فخره بالمساهمة في ترجمة ومراجعة الأعمال، إلى جانب فريق متميز من المترجمين والمُصححين. وأوضح زين أن قيمة تشيخوف تتجاوز جمال أسلوبه وبلاغة عباراته، لتصل إلى قدرته الفذة على استخراج أعقد القضايا الوجودية من أبسط أحداث الحياة اليومية. فقد حوّل تفاصيلها الصغيرة إلى بواباتٍ مفتوحةٍ على معانٍ واسعة، مضيفاً أن تواضعه ورقة قلبه وعظمته الروحية تُثير الإعجاب، فقد امتنع عن الحديث عن مرضه بالسلّ حتى وفاته.
وصف زين أعمال تشيخوف بأنها “قدّمت لنا الحياة في أكثر صورها إنسانيةً وإيجازاً وصدقاً”. كما كشف عن جوانب من حياة صاحب “بستان الكرز”، بدءاً من دراسته للطب في جامعة موسكو، ومروراً بنشره قصصاً ساخرة في المجلات الفكاهية بتوقيع مستعار هو “أنتوشا تشيخونتي”، وانتهاءً بعمله كطبيب في مستشفى تشيكينسكايا. ولم تتوقف علاقته بالكتابة، فظل يُرسل قصصه الواحدة تلو الأخرى، دافعاً له ليس الشهرة أو المجد الأدبي، بل توفير لقمة العيش لعائلته التي كانت تعاني الفقر.
مسرحيات خالدة على خشبة التاريخ
بدأ تشيخوف مشواره الأدبي بنشر أولى مجموعاته القصصية “حكايات ميلبوميني” في نهاية القرن التاسع عشر، ثم أصدر مجموعته “في الشفق” التي حققت نجاحاً باهراً، أعيد طبعها 12 مرة، و ترجمت إلى لغات أوروبية عدة، ووصفتها صحيفة “سانت بطرسبرغ” بأنها “نتاج شاعر يكتب نثراً، موهبته تنبض بالإنسانية ودفء القلب”. ومن أبرز أعماله اللاحقة: “الجندب”، “معلم الأدب”، “كمان روتشيلد”، “النورس”، و “العم فانيا”. وقد تعاون مع المخرجين ستانيسلافسكي ونيميروفيتش دانتشينكو في مسرحيتيْه الخالدتين: “ثلاث أخوات” و “بستان الكرز”. وخلال تلك الفترة، تزوج من الممثلة أولغا كنيبر عام 1901.
كما امتدت عبقرية تشيخوف لتشمل كتابة أدب الأطفال، ومن أبرز أعماله في هذا المجال: “كاشتانكا”، “فانكا جوكوف”، و “الأحذية المسلوقة” التي نشرها بتوقيع مستعار.
رحلة الترجمة إلى العربية: محطات مهمة
شهدت اللغة العربية ترجمة بعض أعمال تشيخوف على مراحل، فقد صدرت “الفلاحون” عن المؤسسة العامة للتأليف والنشر في وزارة الثقافة المصرية عام 1968، كما صدرت مختاراتٌ في أربعة مجلدات ترجمها الدكتور يوسف أبوبكر عن دار “رادوغا” في موسكو خلال الثمانينات، ثم ترجم عدنان جاموس مختاراتٍ في كتاب واحد عن اتحاد الكتاب العرب في سوريا في التسعينات. كما قامت وزارة الثقافة المصرية بإصدار مختاراتٍ أخرى ترجمها خليل الرز في جزءين عام 2007. ولكن، هذا الإصدار الجديد يمثل نقلة نوعية بتقديمه لأعمال تشيخوف الكاملة للمرة الأولى بالعربية.
